الاصدار الأول في دار نشر تحيا مصر
الديوان الالكتروني
الناشرة فتيحـة نور عفراء
رقم اعتماد بطاقة النشر 58/95
المملكة المغربية
الصفة شاعرة
..................
عنوان ديوان: حين يضيق الكلام، وتتقدّم الروح
مقدمة الديوان
ليس هذا الديوان استعراضا للكلمات، بل محاولة صادقة للإصغاء إلى ما تقوله الروح حين يضيق الكلام. كُتبت قصائده في لحظات متباينة، بين شغف وغياب، بين يقينٍ وسؤال، فجاءت شاهدة على أن الشعر ليس ترفا لغويا، بل حاجة إنسانية للبوح والنجاة.
هنا، تقاس المعاني بصدقها لا بزخرفها، ويُمنَح الإحساس أولوية على الشكل. فإن وجد القارئ في هذه النصوص أثرا يشبهه، فذلك لأن الشعرفي جوهره لقاء صامت بين قلبين.
النص 1-على حافة الرجاء
ربّاه… كم سأنتظر؟
وكم سأتقن فنّ الوقوف
على حافة الرجاء،
بين نبض يجرّني إلى الأمام
وخوفٍ يعيدني إلى الوراء؟
إنّي أتوسّد الصبر في قلق،
كمن يضع رأسه
على وسادةٍ من الريح،
يغمض جفنيه
وعيناه معلّقتان بالسماء.
أرسم معاناتي على الورق،
خطا بعد خط،
نزيفا بعد نزيف،
علّ الحبر يخفّف ما لا يخفّ
من هذا الوجع المقيم.
يا ربّ
إن طال الطريق، فاجعله آمنا،
وإن جفّ القلب، أروه من يقينك،
وإن ضاق الصدر،
فاجعل من لطيف حكمتك
بابا يتّسع لما ضاق.
علّمني كيف أقرأ حكمتك
في الفجوات،
وأبتسم رغم العتمة،
وأمشي وإن تعثّر الضوء
أمام خطواتي.
فأنا يا الله
لا أريد سوى أن أصل،
أن أبلغ خيرك،
وأعانق جوابك،
وأعرف لماذا علّمتني
كل هذا الصبر…
وكل هذا الانتظار.
النص 2- الحبّ الخالد
ليس الحبّ وعدا عابرا يقال
ولا شوقا إذا لاحت خطا يزول
هو النبض إن ضاق الزمان تمدّدا
وهو الأمل الباقي إذا الكلّ مالوا
نحبّ فنصبر إن تقادمت الخطى
ويكبر فينا الحلم وهو جميل
إذا غاب صوت الكون يبقى صدى
الهوى دليلا بأنّ العشق حقّ أصيل
فذاك هو الحبّ الخلود بعينه
إذا مرَ دهر لا يشيخ ولا يزول
النص3- الذين يسكنون ضفاف الدموع
الذين يسكنون ضفاف الدموع
لا يبكون كما نظنّ،
هم فقط يختارون مكانًا قريبًا من الحقيقة.
يبنون بيوتهم من صمتٍ متماسك،
ويزرعون على النوافذ صبرًا طويلَ الأمد،
يعرفون أن الدمع نهرٌ
وأن النجاة ليست في عبوره
بل في الإصغاء إلى ما يحمله.
وجوههم هادئة،
لكن في أعماقها ضوءٌ تعلّم كيف يولد من الانكسار،
قلوبهم لا تُكثر الرجاء
لأنها جرّبت الفقد حتى صار حكمة.
هؤلاء
إذا أحبّوا، أحبّوا بوعي الجرح،
وإذا سامحوا، فعلوا ذلك
لا لأن الألم انتهى
بل لأنهم كبروا عليه.
يسكنون الضفاف
كي لا يغرقوا،
وكي لا ينسوا
أن الماء، مهما اشتدّ،
لا بدّ أن يتّجه نحو البحر.
النص 4 - حين التقت السكة بقلبين لا محطة لهما
لم يكن القطار سوى وسيلة عبور،
وكنت أعبر بداخلي أكثر مما أعبر الطريق.
وقفت عند الباب،
أتفقد ظلي على الزجاج،
وأرتّب شعري المرتبك بالصدفة،
وكأنني أعرف
أن أحدهم سيقرأني
قبل أن أصل إلى مقعدي.
صعدت
وكان العالم ضيّقا،
أضيق بكثير من المسافة
بين عينيك وعينيّ.
جلست قرب النافذة،
أراقب المدن التي تهرب،
والأحلام التي تتبدل،
والقلب الذي يزدحم
كلما اقتربت خطوة منك.
كنت غريبا،
لكنك تشبه المألوف الذي افتقدته،
وتشبه طمأنينة
لم أجد لها اسمًا بعد.
لم نتحدث،
لكن القطار كله
كان يتهجى ما بيننا،
يرتب إيقاعه على نبض خجلي،
ويتنفس من بيننا
دفء لا يخصّ السفر
بل يخص بداية
لا تخبر أحدا بأنها بدأت.
وعند المحطة التالية،
لم تنزل،
ولم أنزل،
لكن شيئا بيننا
نزل عن صمته
وترك الباب مواربا
لقصة
لا تحتاج موعدا،
بل نظرة
تكمل الطريق
عنّا.
النص 5 - أبجديـة حروفي
حروفي لا تبدأ من الألف،
بل من وجعي الأول،
من صرخة تعلّمت بعدها
كيف أصير صمتا حكيما.
أبجديّتي
ليست ترتيبا مدرسيّا،
هي فوضى القلب
حين يحاول أن يفهم نفسه.
في حرفي
أنوثة تعرف متى تلين
ومتى تصير سيفا من نور،
وفي نقطتي
سرّ لا يقال
إلا لمن قرأ بين السطور.
أكتب لأرمّم ما تكسّر،
لا لأزيّن الفراغ،
فكلّ حرف عندي
خطوة نجاة،
وكلّ سطر
اعتراف مؤجّل.
أبجديّة حروفي
لا تُدرَّس،
تُعاش
ومن يقرؤها بصدق
يعرف
أن للكلمة فؤادا
إذا نبض
غيّر المعنى.
النص 6 ما بيني وبين الجنون خيط من ضوء
استيقظت ذات صباحٍ في عالم لا أعرفه،
كل الوجوه حولي تشبه المرايا،
لكنها مرايا مكسورة... تعكس أجزاء من حقيقتي.
ضحكاتهم عالية، بكاؤهم صادق،
كأن أرواحهم تمارس الحياة بلا أقنعة،
بينما كنت أحاول عبثا أن أبدو "عاقلة" وسطهم.
سألت نفسي:
هل الجنون أن نرى ما لا يراه الآخرون؟
أم أن العقل مجرد اتفاق جماعي على الوهم؟
هؤلاء الذين يسمّونهم مرضى،
ربما تحرروا من أثقال المنطق،
ورأوا الأشياء بعين لم تطفئها العادة،
وسمعوا صوت الحقيقة في فوضى الأصوات.
شيئا فشيئا،
بدأت أشعر بالطمأنينة بينهم،
كأنني عدت إلى مكاني الأصلي،
إلى نفسي الأولى، قبل أن يعلمني العالم معنى "الجنون "
في النهاية، لم أحاول الهرب،
بل جلست بينهم، أبتسم لهم، وأبتسم لي...
فقد أدركت أن الجنون الحقيقي،
هو أن نعيش غرباء عن أرواحنا،
ونسمّي ذلك عقلا. --------------------
النص 7 قبس من نور
في زحمة العتمات، حين تتثاقل الأيام فوق كاهل الروح، ويضيق الصدر كأنه صندوق مكتوم، يطل قبس من نور.
إنه ليس شعاع شمس ولا مصباحا يُضاء بالكهرباء، بل ومضة صافية تولد في أعماق الإنسان، حين يوشك على الانكسار.
قبس من نور، يهمس: إن الليل مهما طال لا يغلق أبواب الفجر، وإن الحزن مهما استوطن ملامحنا لا يملك أن يسلب منا بذرة الرجاء.
قد يظهر في كلمة طيبة نسمعها ونحن على حافة اليأس، أو في لمسة حنان تعيد ترتيب الفوضى في القلب، أو في صلاة خاشعة تذيب جليد الوحشة.
هو شاهد على أنّ أرواحنا لا تُخلق عبثا، وأنّ بداخلنا طاقة خفية قادرة على أن تفتح النوافذ حين تُغلق الأبواب.
قبس من نور يتنقل بين القلوب كرسول سلام، يزرع فيها يقينا بأن الألم ليس سوى جسر، وأن ما بعده رحابة وضياء.
ولعل أجمل ما في هذا القبس أنه يعلمنا أن الهشاشة ليست عيبا، بل نافذة يدخل منها الضوء.
فبقدر ما نتشظّى، بقدر ما نترك للضياء فرصة أن يستقر فينا.
قبس من نور… يذكرنا أن الحياة، مهما أثقلتنا بخيباتها، قادرة على أن تمنحنا دائما ما يستحق العيش، وأن الروح، متى آمنت بنورها الداخلي، تستطيع أن تنهض من رمادها كطائر جديد يحلق نحو فضاءات أوسع. -------------------------
النص 8 أمــي ثــم أمــي ثــم أمــي
مشاعري تتغنى بك أمي
فلتسمعي
دقات قلبي لك وحدك تنبض
لتنصتي
حب يهمس لفؤادك
أتقبلي؟
دمي منك وحرفي إليك
فلتقرئي
داخل روحى مسكنك
لتسكني
من برد الشتاء أحميك
فهلا تحتمي ؟
دفء من قلبى يحتويك
فلتأخذي
يقظة من ليلى لك وحدك
كي تشعري
ولآخر عمري سأظل أحبك
فلتطمئني ------------------
النص 9 أعودُ منّي إليّ
أسافر بلا خارطة
ولا وجهة تُغويني
فالدرب في داخلي
والمسافة بيني وبيني
أحمل حقيبة صمتي
وأمضي على ضوء قلبي
أجمع فتات الحلم
وألمّ بقاياي من مفارق الوقت
أصافح وجوها في الذاكرة
تذوب كندى على زجاج الغياب
وأسمع في البعيد أنين أيامي
كطفلة تناديني ولا أصل
أسافر لأجدني
لألتقي ظلّي في منعطف العمر
لأغسل من روحي غبار الزيف
وأتزين بحقيقة لا يراها أحد
في كل محطة أضع وجعا
وألتقط نجمة رضا
حتى إذا وصلت
لم أجد طريق العودة
فقد صرت أنا
وصارت روحي
وطنا لا يغادر.
النص 10 أنين الضوء
يا ضوء قمر يهمس في ليل السكون
يداوي جراح الروح بنعومة الحنين
تسري خيوطك في دمي كأغنية
تطفئ لظى الشوق
وتوقد حلما دفينا
كم عاشق أودعك سره
وكم قلب وحيد
وجد فيك أنيسا أمينا
أنت مرآة الروحِ
في عتمة الطريق
تعلمنا أن النور
يولد من حنين
------------------
النص 11 رياح المنفى وجناح الروح
أنتظر حريتي من المنفى
يوم تغادرني الرِياح
حين يسكن في صدري هواء لا يوجع
ويعود القلب إلى خفقِه الأول
بلا خوف ولا صدى
كم طافت بي المنافي،
ولم تعد الأرض تشبهني،
ولا السماء تعرف اسمي
أنا ظلّ يبحث عن نوره،
ونور يخشى اكتماله في الظلّ.
لكني ما زلت أُومن
أن هناك صباحا سيعيد ترتيب الأفق
ويزرع في روحي جناحين
حين تغادرني الرِياح
حين أصير أنا
بلا قيد
ولا خوف
ولا منفى
-------------------------
النص 12 التغافل نور في الصمت
التغافل
ليس خذلانا، ولا صمت جبن،
بل عبور رقيق بين الألم والرحمة.
أحيانا نرى الجراح،
ونبتسم،
نغمض أعيننا على ما يوجع،
فالنقاء أثمن من الانتصار.
في صمتنا،
تتلوّن القلوب بالسكينة،
ويصير الألم ماء يتدفّق في ضفاف الرحمة.
التغافل
هو الصلاة بلا كلام،
هو الحب بلا مطالبة،
هو الحرية حين تختار
ألا يرهقك ما لا يستحقّ.
من يغفل،
يستطيع أن يرى نور الأشياء الصغيرة،
النسيم، صوت الماء، ابتسامة عابرة،
ويكتشف أن العالم كله يحترق أحيانًا،
ونحن نختار ألا نُحرق.
التغافل
فنّ العارفين،
ودرب الأرواح التي تعرف
أن الله يكفي.
النص 13
أنثى تربك القواعد
أحمل في داخلي أعمارا لا تُحصى،
أكون فتاة حين يدهشني الضوء،
وعجوزا حين يُتعبني الحنين،
وأعود امرأة كلما ناداني القلب باسمي.
لا أسأل الزمن عن رقمه،
ولا أضع عمري في خانةٍ ثابتة،
فأنا أنضج حين أحب،
وأكبر حين أخاف،
وأصغر كلما لامست يدي يد من أُحب.
أؤمن أن الأرواح لا تشيخ،
وأن بعض القلوب تولد متأخرة،
وبعضها يسبق العمر بخطوات.
قد أكون مُنجِزة في صمتي،
وحالمة في أبسط تفاصيلك.
أما العمق
فهو أن أراك دون أن أفسّرك،
أن أحبك دون أن أعدّ الأسباب،
أن أطمئنّ إليك لا لأنك واضح،
بل لأن غموضك يشبهني.
أنا لا أغوص في الحساب،
أنا أغوص في الإحساس،
وفيك
أجد العمق الذي لا يُقاس،
بل يُعاش.
-------------------
النص14 ظلال الحروف المضيئة
في مدائن الحرف
تشرق الكلمات كأنها شموس صغيرة
تضيء أركان الروح وتبعثر عتمتها
هناك
تسكن الأحلام في منازل من بياض
وتنمو الأشواق كأزهارٍ
لا تعرف ذبولا ولا خريفا
كل حرف
نافذة على مدى أبعد من الفؤاد
وجسر من صمت
يمتد بيني وبين دهشة البدايات.
وفي الطرقات المزخرفة بالقصائد
أتعثر بظلالي
ثم أقوم لأكتبني من جديد
كأنني وُلدتُ من حبرٍ أبدي
وهكذا
في مدائن الحرف
أجدني أُسافر نحوي
أضيع لألتقي
وأكتب لأبقى -------------------
النص 15 يدك في يدي
يدك في يدي والقلب يزهو
كأني ملكتُ الكون كله
إذا ضمت أناملك أناملي
غفا وجعي، وأشرقت وهله
يدك في يدي فالعمر يمضي
ربيعا لا يُفارقني محله
فلا خوف يُداهمني وحيدة
ولا ليل يُخيم أو يظلله
أنا إن تهت في بحرِ التمني
وجدتك مرفأ يحنو ويظله
يدك في يدي
فليغدو الدرب أمانا
وليبقَ هذا العناق عهدا لا ينكسر.
النص 16 حين يسكن الضوء في الغياب
رثاء الفقيد أبي رحمه الله
أبي
كيف أُقنع القلب أن الفجر لا يمرّ من خطوتك؟
أن البيت، مذ رحلت،
صار جدارا بلا نبض، وسماء بلا نداء.
كنت صمتي الجميل حين تضجّ الدنيا،
ونسغ الطمأنينة في عروقي،
وحين أفلتَ يداي،
تعلّمت أن الدعاء هو آخر ما تبقّى من الحضور.
أبي..
ما زالت ملامحك تسكن في الضوء،
كأن وجهك وصيّة النهار،
وكأن ظلك صلاة المساء.
كلّ ما فيَّ يناديك
صوتي الذي خفت،
دمعتي التي تهرب منّي،
وحلمي الذي لا يشبه الفرح منذ غيابك.
رحلتَ
لكنّك لم تغادرني،
ما زلت في البين والنبضة والحنين،
كأنك السكون الذي يعلّم الحروف كيف تبكي.
النص 17 لبيك فلسطين
فلسطين قبر لكل آثم
ضب يشاكس ما نرى ويعاقم
رمالك أوّار نار محرق
يثوي وجوه عداتها ويراجم
فلسطين يا ثالث الحرمين يا
قبلتنا خلاصك من آسرك لازم
لا ترهبي ما بيتوا ما دبروا
فالله سينصرك وشعبك عازم
حاشا نداؤك ان يضيع فدعاؤنا
آلب على المستعمرين وهازم
بدماء الشهداء تسقى أرضك
كيف اصطفت في العراك العظائم
فاسطين لا تيأسي ، لا تفزعي
فجنود ربك للبغاة قواصم
قدسنا لك يشتكي يا رب أوصابها
وخضم الخيام مشرئب جاهم
أمواجه غضبى تزمجر نقمة
تحمي المعاقل والعدو تصادم
يا رب بنصرك أمة تواقة
للمجد، للسلم تهتف وتناغم
النص 18 دردشتـي مــع قهوتــي المسائيــة
آه يا فنجان قهوتي
ماذا ستقول لي ؟؟؟
ماذا تخبئ بين أبخرتك السوداء
المتعرجة والمتشابكة ؟؟؟
كانوا يقولون
أمامك طريق طويلة
وما أطوله من طريق
مشيت فيه كانوا يقولون
عما قريب سوف تفرحين
وها هي الفرحة
قاب قوسين
ولكن لا تجرئين
كانوا يقولون
ويقولون
ويقولون
ويتنبأون
وما فائدة القول
إن كانت الأحداث
بعيدة عني تجري
هذا أنت يا فنجاني
تحاول التخفيف عني
وتواسيني
ولكنني لا أومن بالفأل والمنجمين
الأفضل لي السكوت
وترقب أخبار المحبين
ونترك الأمر لرب العالمين
فهو الحامي والمعين
مع كل الشوق والحنين
النص 19 نبض الحروف في قلبي
أنا معلمة… وأفخر دوما
أزرع الحروف في الصغارِ كالنورِ الدائم
أرى في عيونهم بريق الأمل والصفاء
وأسمع قلوبهم تنبض كطير في السماء
أغرس فيهم الحب للعلم بلا كلل
وأرسم لهم طريق الحياة بابتسامة مستملة
كل حرف يُكتب هو بذرة أمل سرمدي
وكل سؤال منهم يشعل شمعة فضولي الكبير
أهديهم المعرفة أروي لهم الظمأ
وأحلم معهم بغد مشرق كالفجرِ الحي
أنا معلمة… رسالة لا تموت
وأحتفل بكل نجاح يزينهم بالسرور الصادق
كل يوم معهم، أكتشف الحياة بلا حدود
وأغني في قلوبهم ألحان الشغفِ والنور الوفير
أروي لهم الحكايات قبل أن يناموا
وأستمع لأحلامهم الصغيرة تسبح في الأعماق
أزرع فيهم بذور الفضول والخيال
وأرعى كل فكرة تشرق في عيونهم كالبدر الكامل
أنا معلمة… وأفتخر بأني نبع صبر
بأني شعلة تضيء دروبهم في كل درب وممر
أزرع فيهم الحب للحياة
وأغني لهم ألحان المعرفة والحرية والصفاء
أنا معلمة... صوتي رقيق لكنه صادق
وقلبي يهتف معهم بكل نبضة وجدانية
كل يوم أحتفل بالنجاح الصغير
وبكل حرف ينمو في عيونهم كنور كبير
أنا معلمة… وأفتخر دوما
أزرع الحروفَ في الصغارِ كنبض في قلبي الدائم
النص 20 أنشودة المطر
يا مطرا
يهبط كأنّه دعاء من سماء بعيدة،
يا رفيف رحمة
ينادي الأرواح،
ويغسل صمت الطرقات
من تعب الخطى.
حين تنهمر،
تفتح في القلب
نوافذ كانت موصدة،
وتهمس الذاكرة
بما خبّأتهُ خلف ستائرها،
كأنّ كل قطرة
مفتاح لبوّابة غامضة،
لا تفتح إلّا لمن يعرف
كيف ينصت.
المطر ليس ماء منهمرا فقط
إنّه اعتراف سماويّ،
صفحة بيضاء تُكتب
عليها أقدارنا ببطء،
حوار صامت بين الأرض والسماء،
بين روحٍ عطشى،
وحلم كان ينتظر موسمه.
وفي انسيابه،
تعلو بنا رائحة طين عتيق،
تعيدنا إلى أنفسنا الأولى،
إلى ذلك الطفل المختبئ فينا
الذي كان يمدّ كفّيه للمطر
كأنه يلتقط هدايا القدر.
يا مطرا
إن فيك شيئ من النبوءة،
ومن الفرح المؤجّل،
ومن دمعٍ لا يراه أحد.
تُسقطه السماء بالنيابة عن قلوب
تتظاهر بالثبات.
وكلما هدأت زخاتك
على السطوح،
نستيقظ قليلا
نشفى قليلا
ونفهم أن الحياة
كانت دائما أجمل
حين تطرب مسامعنا
بأنشودة المطر.



